الخطيب الشربيني

179

مغني المحتاج

ينقسم إلى معاوضة وحطيطة كالعين ، وأفهم أنه لا يشترط قبض الباقي في المجلس ، لأنه لم يجعل هذا العقد معاوضة بل إبراء . وهل يعود الدين إذا امتنع المبرأ من أداء الباقي أم لا ؟ وجهان أصحهما عدم العود . ( ويصح بلفظ الابراء والحط ونحوهما ) كالوضع والاسقاط ، لما في الصحيحين عن كعب بن مالك : طلب من عبد الله بن أبي حدرد دينا له عليه ، فارتفعت أصواتهما في المجلس حتى سمعهما رسول الله ( ص ) فخرج إليهما ونادى : يا كعب فقال : لبيك يا رسول الله فأشار بيده أن ضع الشطر ، فقال : قد فعلت ، فقال ( ص ) : قم فاقضه . وإذا جرى ذلك بصيغة الابراء : كأبرأتك من خمسمائة من ألف الذي لي عليك أو نحوهما مما تقدم ، كوضعتها أو أسقطتها عنك لا يشترط القبول على المذهب ، سواء أقلنا الابراء إسقاط أم تمليك . ( و ) يصح ( بلفظ الصلح في الأصح ) كصالحتك عن الألف الذي لي عليك على خمسمائة ، والخلاف كالخلاف في الصلح من العين على بعضها بلفظ الصلح ، فيؤخذ توجيهه مما تقدم . وهل يشترط القبول في هذه الحالة ؟ فيه خلاف مدركه مراعاة اللفظ أو المعنى ، والأصح على ما دل عليه كلام الشيخين هنا اشتراطه ، ولا يصح هذا الصلح بلفظ البيع كنظيره في الصلح عن العين . تنبيه : مقتضى كلام المصنف البطلان فيما لو كانت الخمسمائة المصالح بها معينة ، وهو ما رجحه القاضي والامام ، وقطع به القفال ، وصوبه في المهمات ، وجرى عليه ابن المقري ، لأن تعيينها يقتضي كونها عوضا فيصير بائعا الألف بخمسمائة . ومقتضى كلام أصل الروضة الصحة ، وجرى عليه البغوي والمتولي والخوارزمي ، وهو المعتمد لأن الصلح من الألف على بعضه إبراء للبعض واستيفاء للباقي ، فلا فرق بين المعين وغيره . ( ولو صالح من ) دين ( حال على مؤجل مثله ) جنسا وقدرا وصفة ، ( أو عكس ) أي صالح مؤجل على حال مثله كذلك ، ( لغا ) الصلح لأنه وعد في الأولى من الدائن بإلحاق الاجل ، وصفة الحلول لا يصح إلحاقها ، وفي الثانية وعد من المديون بإسقاط الاجل ، وهو لا يسقط . والصحة والتكسير كالحلول والتأجيل . ( فإن عجل ) الدين ( المؤجل صح الأداء ) وسقط الاجل لصدور الايفاء والاستيفاء من أهلهما . نعم إن ظن المؤدي صحة الصلح لم يسقط الاجل واسترد ما عجله ، كمن ظن أن عليه دينا فأداه فبان خلافه فإنه يسترد كما قال السبكي قطعا . وهذه المسألة فرد من أفراد قاعدة متكررة ، وهي إذا شرط عليه شئ من التصرفات لا يلزمه الوفاء به كما لو شرط بيعا في بيع ففعل المشروط عليه جاهلا ببطلان العقد المشروط كأن أتى بالبيع الثاني ، فهل ينفذ لكونه تصرفا صحيحا في نفسه أو لا لكونه وفاء بالشرط الفاسد ؟ فيه خلاف . وقد اضطرب الترجيح في هذه القاعدة كما بينه في المهمات ، ثم قال : وقد تظافرت نصوص الشافعي على البطلان ، فلتكن الفتوى عليه ولا عبرة بما عداه . ( ولو صالح من عشرة حالة على خمسة مؤجلة برئ من خمسة وبقيت خمسة حالة ) لأنه سامح بحط البعض ووعد بتأجيل الباقي ، والوعد لا يلزم ، والحط صحيح . ( ولو عكس ) بأن صالح من عشرة مؤجلة على خمسة حالة ، ( لغا ) الصلح لأن صفة الحلول لا يصح إلحاقها ، والخمسة الأخرى إنما تركها في مقابلة ذلك ، فإن لم يحصل الحلو لا يصح الترك ، والصحة والتكثير كالحلول والتأجيل . تنبيه : قد علم مما تقرر أن أقسام الصلح ستة : البيع ، والإجارة ، والعارية ، والهبة ، والسلم ، والابراء . وبقي منها أشياء أخرى منها الخلع ك‍ صالحتك من كذا على أن تطلقني طلقة . ومنها المعاوضة من دم العمد ك‍ صالحتك من كذا على ما تستحقه على من قصاص . ومنها الجعالة ك‍ صالحتك من كذا على رد عبدي . ومنها الفداء كقوله للحربي : صالحتك من كذا على إطلاق هذا الأسير . ومنها الفسخ كأن صالح من السلم فيه على رأس المال وكأنه تركها كغيره لاخذها مما ذكر . ( النوع الثاني : الصلح على الانكار ) أو السكوت من المدعى عليه كما قاله في المطلب عن سليم الرازي وغيره ، كأن ادعى